Category - Fasting

Search a topic


Join our mailing list






بيان من مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا حول منهجية ثبوت الأهلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه، أما بعد،

مع اقتراب دخول شهر رمضان المبارك، وظهور بوادر القلق في أوساط الجاليات الإسلامية المقيمة على أرض الولايات المتحدة الأمريكية من تجدد الخلاف المتكرر كل عام حول ثبوت شهر رمضان وحلول أول أيام الصيام فإن أمانة مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا تتوجه بخالص التهنئة إلى الأمة الإسلامية عامة وإلى طلائعها المقيمة في الغرب خاصة وتؤكد على ضرورة السعي إلى الجماعة والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، وأن ما يكره الناس في الطاعة والجماعة خير مما يحبون في الفرقة والمعصية، وتود أن تنبه في هذا الصدد إلى أن قضية ثبوت الأهلة تثير جملة من القضايا الاجتهادية تتمثل فيما يلي:

اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره. هل الخطاب الوارد في مثل قوله تعالى ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه”، وقوله صلى الله عليه وسلم “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” هو خطاب لمجموع الأمة، بحيث إذا رؤي الهلال في أي جزء من أجزائها فقد لزم الصوم بقية المسلمين؟ أم أن لكل بلد رؤية، والخطاب متوجه إلى أهل كل محلة على حدة ؟ والذي رجحه جمهور أهل العلم هو عدم اعتبار اختلاف المطالع، فمتى رؤي الهلال وثبت ثبوتاً شرعيا في أي بلد إسلامي فقد لزم الصوم بقية المسلمين الذين يشتركون مع بلد الرؤية في جزء من الليل، وهو حل بسيط، ولا يحتاج تطبيقه إلى جهود ولا تعقيدات. وهذا هو الذي اختاره المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالقاهرة في جمادى الآخر عام 1386 هجرية الموافق سبتمبر 1966 ميلادية، فقد جاء في توصيات وقرارات الفترة الثانية لهذا المؤتمر ما يلي (يرى المؤتمر أنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤيا وإن قل ويكون اختلاف المطالع معتبرا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة)، ومثل هذا الذي قرره مجمع البحوث الإسلامية قرره المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثالث بعمان عام 1407 حيث جاء في مقرراته ما يلي: (إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع، لعموم الخطاب الآمر بالصوم والإفطار).

الاعتداد بالحساب الفلكي: هل يعتد به مطلقا، أم لا يعتد به مطلقا، أم يعتد به في حال النفي ولا يعتد به في حال الإثبات. وهذا الأخير هو الذي يرجحه المجمع وقد أخذ به المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد في القاهرة عام 1386 حيث قرر في هذا الصدد ما يلي:

أن الرؤية هي الأصل في معرفة دخول أي شهر قمري، كما يدل عليه الحديث الشريف.فالرؤية هي الأساس لكن لا يعتمد عليها إذا تمكنت فيها التهم تمكنا قويا.

يكون ثبوت رؤية الهلال بالتواتر، والاستفاضة، كما يكون بخبر الواحد ذكرا كان أو أنثى، إذا لم تتمكن التهمة في أخباره لسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به الصادر ممن يوثق به.

حكم من انفرد بالرؤية، هل يصوم ويفطر برؤيته وإن كان لا يستعلن بها، أم يصوم ويفطر مع الجماعة، فمن قال بالأول أوجب الصوم على من رأى الهلال وحده فإن تلك الليلة هي من رمضان في نفس الأمر، وإن لم يعلم بذلك غيره، ومن قال بالثاني قال لا يصوم إلا مع الناس لأن الشهر هو ما اشتهر لا ما رآه فرد أو قليل من الناس، والهلال هو ما يستهل به الناس لا ما انفرد برؤيته فرد منهم، وحيث لم يثبت ذلك فإن ميقات الصوم لم يدخل بعد. وقد رجح هذا الثاني كثير من أهل العلم اعتبارا لقوله صلى الله عليه وسلم: “صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون” أي أن المسلم يصوم مع الجماعة ومعظم الناس، واعتبارا بهلال ذي الحجة، إذ لم يقل أحد من أهل العلم بأن من انفرد برؤية هلال ذي الحجة انفرد أيضا بالوقوف بعرفة وكان له وحده ميقات إفاضة، ورمي، ونحر، وتحلل ونحوه وهذه المسألة من تلك. ويرى المجمع أنه ينبغي أن يحتاط في الصوم خاصة، فمن تفرد برؤية هلال رمضان صام في خاصة نفسه سرا، أما من تفرد برؤية هلال شوال فلا يفطر إلا مع الجماعة.

هذه هي جملة الاختلافات الفقهية الواردة في هذا الباب، وجلها من مسائل الاجتهاد، والخلاف الوارد فيها خلاف معتبر، والأصل في مسائل الاجتهاد أن لا يضيق فيها على المخالف، وأن لا تكون سببا في قطيعة أو تهاجر، وقد اتفقت المجامع كلها وأهل الفتوى كافة أن على المسلم أن يتبع الموقف الاجتهادي الذي يتخذه أصحاب النظر في بلده، أيا كانت موافقته أو مخالفته لما يعتقده راجحا، لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس.

إن قضية ثبوت الأهلة قضية سلطانية في المقام الأول، بمعنى أنه لا يحسم الخلاف الوارد فيها إلا جهة ذات سلطان، تستطيع بسلطانها أن تنفذ قرارها على الناس كافة، وتصبح مخالفتها في هذه الحالة صورة من صور الشذوذ والمنابذة والبغي، فالمشكلة إذن لا تكمن في ترجيح بعض هذه الآراء على بعض، وإنما تكمن في غياب هذه السلطة التي تتمتع بالمرجعية، والتي يدين لها الناس بالطاعة، وتمضي عليهم اجتهادها فلا ينازعها أحد، سواء أكانت هذه السلطة دينية يتبعها الناس لثقتهم في كفايتها وديانتها، أو سلطة دنيوية يتبعها الناس لسلطانها وشوكتها، وما لم يتسن أحد هذين المسارين فلا سبيل إلى جمع الكلمة في هذه القضية لا في المشرق ولا في المغرب! إن الذي حسم هذه المشكلة في المشرق إنما هو شوكة ذوى السلطان، وليست قوة الحجة أو البرهان!

ونظرا لغياب هذه المرجعية في الوقت الراهن فإن الذي يترجح لدى أمانة المجمع أن الاجتهاد القائل بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وأنه متى رؤي الهلال وثبت ثبوتا شرعيا في أي بلد إسلامي لم يعرف بشذوذ عن الجماعة، فقد لزم الصوم بقية المسلمين الذين يشتركون مع بلد الرؤية في جزء من الليل هو أولى هذه الاجتهادات بالصواب، وأيسرها تطبيقا في ظروف الجاليات الإسلامية المقيمة في الغرب، وينبغي أن يجري اتصال مباشر مع أهل الفتوى في هذا البلد للتحقق من صحة النبأ، ثم يترك حسم الخلاف المتعلق باعتبار الحساب أو عدم اعتباره إلى هذه الجهة، فأيما اجتهاد تبنته سلم لها من الناحية العملية، وإن بقي كل على اختياراته الفقهية من الناحية النظرية، وذلك لما يلي:

أن هذا هو رأي جمهور أهل العلم، واختيار المحققين منهم.

زوال الاعتبارات التي بنى عليها القائلون باعتبار اختلاف المطالع موقفهم، فإن اليسر والتوسعة الذي كان وراء ترجيح هذا القول لم يعد له مفهوم في ظل تطور وسائل التقنية في واقعنا المعاصر، وتحول العالم كله إلى ما يشبه القرية الواحدة، وانتقال الخبر بين أرجاء المعمورة كلمح بالبصر!

أن هذا أقرب لمقصود الشارع من الائتلاف واجتماع الكلمة، وخطوة على طريق وحدة الأمة وجمع كلمتها.

أنه لا يثير حساسية إقليمية، فأيما بلد إسلامي أعلن الرؤية فإن الجاليات الإسلامية تبع له تعتمد قوله وتعمل به.

رفع الحرج الذي يسببه اعتبار اختلاف المطالع عندما تتعارض الرؤية في الغرب مع رؤية أهل مكة في عيد الأضحى، حيث يكون أصحاب هذا الاجتهاد بين أمرين: إما مخالفة الحجيج وفيه من مخالفة الإجماع العملي، ومصادمة الشعور الإسلامي، ما فيه، وإما موافقة الحجيج مع ما يعنيه ذلك من التناقض مع ما يرجحونه من أصول فقهية.

لماذا لم يتبن المجمع القول باعتبار اختلاف المطالع؟

هذا ولم تتبن أمانة المجمع القول باعتبار اختلاف المطالع لجملة من الاعتبارات تذكر منها:

كونه مرجوحا من الناحية الفقهية فإن جماهير أهل العلم على عدم اعتبار اختلاف المطالع.

عسر الاجتماع على جهة بعينها في الظروف الراهنة نظرا لتباين الاجتهادات الفقهية والدعوية، وتدخل الاعتبارات الحزبية والإقليمية.

ما يصيب الحس الإسلامي من حرج بالغ إذا لم تتوافق رؤية الهلال في ذي الحجة مع الرؤية في بلاد الحجاز، فقد انعقد ما يشبه الإجماع العملي أن الناس في هذا العيد تبع لأهل مكة، ولهذا فإن كثيرا من الحاسبين والآخذين باعتبار اختلاف المطالع يعتمدون رؤية السعودية في عيد الأضحى مع ما قد يبدوا في هذا الموقف من تعارض مع أصولهم وترجيحاتهم.

تباين الرؤية الفقهية حول قضية الاعتداد بالحساب وعدم الاعتداد به، فإن الخلاف حول هذه القضية حاد بين الطرفين، ولعل أوسط الآراء في ذلك هو الاعتداد به نافيا إذا جزم باستحالة الرؤيا، وعدم الاعتداد به مثبتا.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل